حسن الأمين
76
مستدركات أعيان الشيعة
اليونانية ، ولعلهم أرادوا من هذا الزعم أن يشيروا إلى أن معرفته باليونانية هدته إلى ابتكار منهجه في العين ، واستدلوا بصلة حنين بن إسحاق المشهور في الطب بالخليل ، فقد جاء في عيون الأنباء ( 1 ) ترجمة حنين : « وكان شيخه في العربية الخليل بن أحمد ، ثم انتقل بعد ذلك إلى بغداد » وفيه ( 2 ) أيضا : « أن حنين بن إسحاق كان يشتغل في العربية مع سيبويه وغيره ممن كانوا يشتغلون على الخليل » وهذا يدل على أن حنينا لزم الخليل وأخذ عنه العربية حتى برع فيها ، وأدخل كتاب العين بغداد ، وحنين كان يعرف اليونانية ، وترجم منها كتبا ورسائل كثيرة لجالينوس وأبقراط ، وترجم بعض قصص اليونان ، والخليل معروف بالذكاء العبقري النادر ، ولا بد أن تثمر هذه الصلة بينهما أن يعرف الخليل اليونانية . ( 3 ) إلا أن هذا القول وهم ، فالخليل توفي سنة 175 هوولد حنين سنة 194 هأي بعد الخليل بأكثر من خمس عشرة سنة ، هذا على قول من قال : إن الخليل توفي سنة 175 همع أن هناك من يقول : إنه توفي سنة 170 ه . وهذا لا يدع مجالا للشك في أن الخليل لم يتصل بحنين ، وبانتفاء هذه الصلة ينتفي أخذ الخليل اليونانية منه . ولم يرد هذا الزعم إلا عن ابن أبي أصيبعة عن سليمان بن حسان . وإذا افترضنا أن الخليل كان يعرف اليونانية فلا مجال لأن يزعم زاعم أن طريقته في العين تشبه طريقة مؤلفي المعاجم اليونانية ، فلم يؤثر عن اليونان أن مؤلفا صنف معجما جعل ترتيبه على الحروف بحسب مخارجها مبتدئا من أقصى الحلق منتهيا باحرف الشفة . ونخلص من هذا إلى أن الخليل لم يقتبس منهجه من اليونان . وهناك قول آخر : أن الخليل اتبع في ترتيب معجمه طريقة الهند في ترتيب حروف هجائها ، فاللغة السنسكريتية ترتب حروف هجائها ( 4 ) على حسب مخارجها مبتدئة بأبعد الحروف مخرجا ومنتهية باحرف الشفة ، وهي اخر درجة في السلم الصوتي للحروف . وكانت الصلة بين الهند وجزيرة العرب قديمة ، وقويت بعد الإسلام كثيرا ، وكان في الخليج الفارسي عدد كبير منهم ، وكان « المحاسبون » لتجار العراق في البصرة وبغداد من السند ، وفيهم علماء ومثقفون ، وكانوا على صلة بأهل العلم من العرب . ولعل هذا الرأي أقرب إلى التصديق من سابقة ، ولكننا لا نميل إليه ، فوجود طريقة لمؤلف في لغة من اللغات لا يمنع أن يصل مؤلف آخر إليها باجتهاده وجهده ، ولا يكفي أن نقول : إن الخليل اتبع طريقة الهند في الترتيب لمجرد وجود هذا الترتيب في لغة لم يذكر أحد أن الخليل كان يعرفها ، وليس من السهل نقل ترتيب بحذافيره من لغة إلى لغة ، لاختلاف النطق بالحروف بين الأمم واللغات والأجناس ، بل إن ترتيب حروف الهجاء في السنسكريتية ليس - هو - ترتيب الخليل عينه . وفوق هذا لم يكن للهند في ذلك الزمن معجم معروف ( 5 ) . وطريقة الخليل تتفق مع علمه الواسع الدقيق بالموسيقى ، فهي تقوم على أساس الصوت ، وعلى ما يشبه السلم الموسيقى ، فهو اعتمد على مخارج الحروف عندما ينطق بها ، ونظر إلى الأوتار الصوتية والأصوات اللغوية ، فصنع سلمه صاعدا عليه من أسفل حتى ينتهي إلى أعلاه ، مبتدئا بأقصى الحلق ، متدرجا في الصعود حتى يصل إلى الشفة . وإذا صح قول من قالوا : إن الخليل اتبع طريقة الهند في ترتيب معجمه فإنهم ينسون أن الخليل كان مختارا فيما يؤثره من الطرق المختلفة لترتيب الحروف الأبجدية ، فاختار ما وافق علمه الموسيقى ، ولم يجبره على ذلك سلطان نافذ حتى يبطل فضله في الموازنة بين الطرق وإيثار ما هو أوفق منها لرأيه وأسبابه العلمية ، ويجب - بعد هذا - ألا ننسي الفارق الكبير بين القول بترتيب الحروف الأبجدية على طريقة الهند - إن صح - والقول باقتباس المعجمات منهم . وفي وسعنا أن نقول : إن الخليل مبتكر في معجمه المنهج والطريقة والترتيب حتى يثبت ثبوتا علميا أنه مقلد لا مبتكر ، ومتبع لا مخترع . نسبة كتاب العين اختلف العلماء في حقيقة كتاب العين ، أهو للخليل أم لغيره ؟ وذهبوا في ذلك مذاهب شتى ، فمنهم من أنكر النسبة ومنهم من أيدها ، ومنهم من وقف موقفا وسطا . والذين أنكروا النسبة كثير ، منهم : النضر بن شميل ، وأبو حاتم ، والأزهري ، وابن فارس ، وابن جني ، والقالي ، وابن النديم ، وأبو الطيب اللغوي ، والفخر الرازي ، والنووي ، وأقوالهم متقاربة ذات دلالة واحدة لا تشير إلى غير الإنكار ، فابن النديم يقول : « لم يرو هذا الكتاب عن الخليل أحد ، ولا روي في شيء من الأخبار أنه عمل هذا البتة » . ( 6 ) وقال أبو عبد الله فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين بن علي التيمي المعروف بابن الخطيب الرازي : « أصل الكتب المصنفة في اللغة كتاب العين وقد أطبق الجمهور من رجال اللغة على الطعن فيه » . ( 7 ) وقال أبو علي القالي ( 8 ) : « لما ورد كتاب العين من بلد خراسان في زمن أبي حاتم ، أنكره أبو حاتم وأصحابه أشد الإنكار ، ودفعه بأبلغ الدفع ، وقد غير أصحاب الخليل بعد مدة طويلة لا يعرفون هذا الكتاب ولا يسمعون به ، منهم : النضر بن شميل ، ومؤرج ، ونصر بن علي ، وأبو الحسن الأخفش وأمثالهم . ولو أن الخليل ألف الكتاب لحمله هؤلاء عنه ، وكانوا أولى بذلك من مجهول الحال غير مشهور في العلم تفرد به وتوحد بالنقل له ، ثم درج أصحاب الخليل فتوفي النضر بن شميل سنة ثلاث ومائتين ، والأخفش سنة خمس عشرة ومائتين ، ومؤرج سنة خمس وتسعين ومائة ، ومضت - بعد - مدة طويلة ثم ظهر الكتاب باخرة في زمان أبي حاتم وفي حال رئاسته ، وذلك فيما قارب الخمسين والمائتين ، لأن أبا حاتم توفي سنة خمس وخمسين ومائتين ، فلم يلتفت أحد من العلماء إليه يومئذ ، ولا استجازوا رواية حرف منه ، ولو صح الكتاب عن الخليل لبدر الأصمعي واليزيدي وابن الأعرابي وأشباههم إلى تزيين كتبهم ، وتحلية علمهم بالحكاية عن الخليل والنقل لعلمه ، وكذلك من بعدهم كأبي حاتم وأبي عبيد ويعقوب وغيرهم من المصنفين ، فما علمنا أحدا منهم نقل في كتابه عن الخليل من اللغة حرفا » . والمعتدلون من المنكرين كالأزهري وأبي الطيب اللغوي - الذي اختصر العين - وثعلب وإسحاق بن راهويه طعنوا في العين تنزيها للخليل وربا به من خطا لا يجوز على تلامذته .
--> ( 1 ) عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1 : 184 - 185 . ( 2 ) عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1 : 189 . ( 3 ) عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1 : 198 . ( 4 ) دائرة المعارف الإسلامية مادة خليل . ( 5 ) AlKhalil and the Evaluation of Arabic Lexicography تأليف الدكتور عبد الله درويش ( 6 ) الفهرست 46 طبعة مصر . ( 7 ) المحصول في علم الأصول ، مخطوطة الدار في مجلدين مخطوطين رقم 130 . ( 8 ) نفي الدكتور عبد الله درويش في كتابه ( الخليل والمعاجم العربية ) نسبة هذا الرأي إلى القالي ، لأن القالي نقل في كتابه ( البارع ) عن كتاب العين للخليل صراحة ، ولأن القالي عندما ذهب إلى الأندلس وألف كتابه ( البارع ) أخبر الخليفة حين ذاك أن كتابه البارع يزيد على كتاب العين بخمسة آلاف كلمة .